الجصاص
224
أحكام القرآن
125 ] وترقب وقت الاستماع والقبول من الدعاء إلى سبيل الله بالحكمة ، وإنما حكى الله ذلك لنا لنقتدي به فيه . قوله تعالى : ( وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه ) . الظن ههنا بمعنى اليقين ، لأنه علم يقينا وقوع ما عبر عليه الرؤيا ، وهو كقوله تعالى : ( إني ظننت أني ملاق حسابيه ) [ الحاقه : 20 ] ومعناه : أيقنت . وقوله : ( فأنساه الشيطان ) هذه " الهاء " تعود على يوسف على ما روي عن ابن عباس ، وقال الحسن وابن إسحاق : " على الساقي " . وفيه بيان أن لبثه في السجن بضع سنين إنما كان لأنه سأل الذي نجا منهما أن يذكره عند الملك ، وكان ذلك منه على جهة الغفلة ، فإن كان التأويل على ما قال ابن عباس أن الشيطان أنسى يوسف عليه السلام ذكر ربه - يعني ذكر الله تعالى - وأن الأولى كان في تلك الحال أن يذكر الله ولا يشتغل بمسألة الناجي منهما أن يذكره عند صاحبه ، فصار اشتغاله عن الله تعالى في ذلك الوقت سببا لبقائه في السجن بضع سنين . وإن كان التأويل أن الشيطان أنسى الساقي ، فلأن يوسف لما سأل الساقي ذلك لم يكن من الله توفيق للساقي وخلاه ووساوس الشيطان وخواطره حتى أنساه ذكر ربه أمر يوسف . وأما البضع فقال ابن عباس : " هو من الثلاث إلى العشر " ، وقال مجاهد وقتادة : " إلى التسع " ، وقال وهب : " لبث سبع سنين " . قوله تعالى : ( قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ) ، فإنا قد علمنا أن الرؤيا كانت صحيحة ولم تكن أضغاث أحلام ، لأن يوسف عليه السلام عبرها على سني الخصب والجدب ، وهو يبطل قول من يقول إن الرؤيا على أول ما تعبر لأن القوم قالوا هي أضغاث أحلام ولم تقع كذلك ، ويدل على فساد الرواية بأن الرؤيا على رجل طائر فإذا عبرت وقعت . قوله تعالى : ( وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك ) الآية . يقال إن يوسف عليه السلام إنما لم يجبهم إلى الذهاب إلى الملك حتى رد الرسول إليه بأن يسأل عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن لتظهر براءة ساحته ، فيكون أجل في صدره عند حضوره وأقرب إلى قبول ما يدعوه إليه من التوحيد وقبول ما يشير به عليه . قوله تعالى : ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) . قال : الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك : هذا من قول يوسف ، يقول : إني إنما رددت الرسول إليه في سؤال النسوة ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب . وإن كان ابتداء الحكاية عن المرأة فإنه رد الكلام إلى الحكاية عن قول يوسف لظهور الدلالة على المعنى ، وذلك نحو قوله : ( وكذلك يفعلون ) [ النمل : 34 ] وقبله حكاية عن المرأة : ( وجعلوا أعزة أهلها أذلة ) [ النمل :